المحرر في الحديث٢

فضيلة الشيخ/ د. سعد بن ناصر الشثري

٢٤ محاضرة يشرح فيها فضيلته هذا الكتاب لابن عبد الهادي – يرحمه الله –

مقدمة الشيخ:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. فإنَّ علماء الإسلام قد اعتنوا بجمع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأنها مصدر مِن مَصادر التشريع، ويدل على ذلك مَا وَرد مِن النصوص القرآنية المؤكدة على طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووجوب الأخذ بما جاء به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]. ومِن هُنا اعتنى العلماء بجمع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقام العلماء الأوائل بتدوين الدواوين العظيمة، التي اشتملت على سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، سواءً ما اقتصر على الصحيح، كالصحيحين -صحيح البخاري ومسلم-، أو ما عُني بجمع جميع الأحاديث، سواءً كانت صحيحة أو ضعيفة، وقد كتب العلماء في ذلك المؤلفات الكثيرة. ولما كان مِن شُروط الاجتهاد معرفة الأحاديث المشتملة على الأحكام؛ اعتنى العلماء بتأليف مؤلفات تشتمل على أحاديث الأحكام فقط، وذلك برفع أحاديث القصص، وأحاديث المواعظ، وأحاديث وصف الجنة والنار، التي لا يؤخذ منها حكم فقهي. وقد اعتنى العلماء بالتأليف في هذا الباب، كان من أوائلهم “ابن دقيق العيد”، في كتاب “الإلمام”، ثم اشُتهر عدد من الكتب في هذا الباب، منها: “كتاب عمدة الأحكام”، للحافظ عبد الغني المقدسي، الذي اقتصر على الأحاديث المتفق عليها. ومن أشهر الكتب في هذا الباب: كتاب “بلوغ المرام” للحافظ “ابن حجر العسقلاني”، المتوفى سنة ثمانمائة واثنين وخمسين. و”بلوغ المرام” لم يُقتصر فيه على الأحاديث الصحيحة، وإنما اعتنى بالتأليف، أو بجمع الأحاديث التي يَستدل بها الفقهاء سواء كانت أحاديث صحيحة، أو لم تكن. وكان من المؤلفات التي أُلِّفت في هذا الباب، كتاب “المحرر” الذي بين أيدينا، وهو للحافظ “محمد بن أحمد بن عبد الهادي ابن قدامة المقدسي”، وهو من علماء الإسلام الكبار، الذين لهم جُهد في أبواب متعددة، وخصوصًا في ما يتعلق ببابي: “السنة النبوية، وباب المعتقد”، وقد أَلَّفَ مُؤلفات كثيرة. وابن عبد الهادي ولد سنة سبعمائة وخمسة، وتوفي سنة سبعمائة وأربعة وأربعين، معناه توفي وهو ابن “أربعين سنة”، رحمه الله تعالى، وقد أَلَّفَ مُؤلفات كثيرة، كما ذكرنا آنفًا. وهذا الكتاب، أي: “المحرر”، قد اقتصر فيه المؤلف على أحاديث الأحكام كما تقدم، ومِن ميزة هذا الكتاب أنه يُسند الأحاديث الموجودة فيه إلى الكتب التي خرَّجته، ويتوسع في ذلك، وهكذا يَذكر أقوال أهل العلم بتصحيح الخبر، وتضعيفه، وقد يتكلم على بعض الرواة الذين رووا الخبر وتَوَقَفَ تصحيحُ الخبر وتضعيفه عليهم.
المحاضرات

حمل نص المحاضرات

Scroll to Top